الشيخ عبد الغني النابلسي
94
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
( فالعالم ) الذي هو الإنسان الكبير كله ( شهادة ) بالنسبة إلى جميع ما فيه ( والخليفة ) وحده الذي هو هذا الإنسان الصغير ( غيب ) عن أهل الشهادة الذين هم جميع العالم ، فلا يعرفه أحد من جملة العالم إلا بما هو عليه ذلك الأحد من الكمال أو النقصان ، وأما هو فيعرف نفسه ويعرف ربه ويعرف غيره من أهل الكمال ومن أهل النقصان وليس معه في رتبته غيره ، لأن الخليفة واحد غير معتدد في هذا العالم ، والمراد الخليفة الكامل على جميع العالم الذي على قدم آدم عليه السلام ، وإلا فكل واحد من بني آدم مستخلف في الأرض على طرف من الأشياء ولو ثوبه الذي يلبسه وداره التي يسكنها كما قال تعالى : وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [ الحديد : 7 ] ، وغير الكامل من الخلفاء قاصرون عنه ولو بشيء واحد من العالم يمسك عنه مفتاح ذلك الشيء ، فلا يملكونه لتحفظ على ذلك الكامل رتبته ، وهو واحد في كل زمان إلى يوم القيامة ، وجميع الخلفاء في مشارق الأرض ومغاربها عاملون على ما تحت يديهم مما هم مستخلفون فيه من جهة هذا الخليفة الواحد الكامل ، فإذا مات تولى بعد مرتبته من قاربه في المقام ، وله العزل لجميع عماله ، وله التولية على كل حال ، وذكره اللّه قالا وحالا ، ولا يخرج عن التبعية له إلا الأفراد من أهل اللّه ، لأن ذكرهم هو ، فهم المستغرقون في الهوية الإلهية ، فإذا رجعوا إلى حسهم وصحوا من جمعهم دخلوا تحت حكمه وتصرف فيهم بحسب ما استعدوا له من كمال أو نقصان كباقي الخلق ، ولا يعرفه من جميع الخلق أحد ، وإنما يستمدون منه من غير معرفة له على حسب مراتبهم الكمالية والنقصية ، وفي ظنهم أنهم يستمدون من الحق تعالى بلا واسطة ، وهو جهل منهم بما الأمر عليه ، وربما عرف استمداده منه بعض أهل اللّه تعالى أصحاب المقامات ، وربما جهل ذلك بعضهم وإن كان في مقام القرب ، ولو شئنا لشرحنا كيفية إمداده لجميع العالم ، وبيّنا ما به الإمداد منه ، وفرقنا بينه وبين سائر أهل اللّه تعالى أصحاب المناصب ، كالأقطاب والأئمة والأوتاد والأبدال والنجباء والنقباء ، وذكرنا رقائقهم المتصلة به اتصال الشاعات في أقطار الأرض بقرص الشمس ، إلى غير ذلك من أحواله ومقاماته ومكانه وزمانه ، واسمه ورسمه ، ولكن نخرج بذلك عن صدد ما نحن بصدده من هذا الشرح المختصر ، وإن فسح اللّه في الأجل ويسر في العمل جعلت ذلك في كتاب حافل وببيان أكثر مما ذكرت كافل . ( ولهذا ) ، أي لكون الخليفة الكامل في رتبة الخلافة غيب عمن سواه ( يحجب السلطان ) من سلاطين الدنيا بالوزراء والعمال والأعوان والجنود والعساكر ( ووصف الحق ) تعالى ( نفسه بالحجب الظلمانية ) على أهل الغفلة ( وهي ) ، أي الحجب الظلمانية ( الأجسام الطبيعية الكثيفة ) المركبة من الطبائع الأربع المتكاثفة إلى